يعد الشيخ محمد بن عمر بن موسى بن محمد بن علي بن يوسف النهاري، المولود في سنة 685هـ، واحداً من أبرز أعلام اليمن وكبار أوليائها وعلمائها في عصره. وقد حظي بمكانة رفيعة جعلت الألسنة تلهج بذكره، حتى لُقب بـ “قمر الصالحين”، وهو لقب قيل إن الخضر عليه السلام هو من أطلقه عليه حين سُئل عنه، تشبيهاً للصالحين بالنجوم وهو بينهم كالقمر في تمامه وإنارته وقربه من قلوب العباد.
وقد تواترت شهادات المؤرخين وأصحاب السير في حقه، حيث وصفه الخزرجي في تاريخ الدولة الرسولية بأنه الشيخ الصالح العارف بالله، وصاحب الكرامات المشهورة والمقامات المذكورة، مؤكداً أنه كان أوحد أهل زمانه علماً وعملاً، وأن الناس قد أجمعوا قاطبة على صلاحه وزهده وتقواه. كما أثنى عليه الأهدل في “تحفة الزمن” بوصفه ولياً مشهوراً من أهل الكشف الخارق والكرامات الظاهرة، مشيراً إلى كثرة مريديه وأصحابه في الجبال وتهامة. وينتهي نسب الشيخ إلى الأشراف الحسينيين، حيث تذكر المصادر ومنها “تاج العروس” للزبيدي أن بني النهاري قبيلة من الأشراف باليمن، استوطن أسلافهم جبال ريمة، ويُقال إن أصل بلدهم “ينبع”.
ولم تكن حياة الشيخ النهاري محصورة في العبادة والزهد فحسب، بل عرف بشجاعته ومقارعته للظلم، ولعل أشهر مواقفه ما جرى بينه وبين السلطان المجاهد الرسولي حين انتصر لأحد المستجيرين به ويُدعى “ابن سهيل”. فعندما توعد السلطان الشيخ برسالة فحواها التهديد، رد عليه النهاري برسالة شديدة اللهجة تدل على قوة بأسه وثقته بخالقه، قال فيها: “من فقير العزيز الباري محمد بن عمر النهاري، إلى السلطان: خلي لنا قدحنا، نخلي لك طاستك… والذليل من يفلت صاحبه، يا أبا عربدان، هذا الفرس وهذا الميدان”. وأمام هذه القوة الروحية والصلابة، لم يسع السلطان إلا التراجع والصفح عن الرجل، مدركاً أن النهاري رجل لا يقول إلا ويفعل.
وفي جانب حياته الخاصة، لم يعقب الشيخ من الأبناء الذكور، بل كانت له ابنة واحدة صالحة تسمى “حفصة”، ومنها انتشرت ذريته وبارك الله في عقبه. وكان للشيخ كلمات ومناجيات مأثورة تعكس عمق توكله، فكان يقول: “الدنيا مدينتي وجبل قاف حصني”، وكأنما يشير إلى حماية الله المحيطة به. وقد انتقل الشيخ إلى جوار ربه في سنة 747هـ، ودُفن في رباطه الشهير بجبل قعار في محافظة ريمة، ليظل ضريحه ومقامه معلماً يحكي سيرة رجل جمع بين العلم والولاية والوقوف في وجه الظلم.
المصدر: من كتاب البدر الساري في تاريخ وأعلام آل النهاري ص117-147.